فتوحات فلسفية

مدونة خاصة بالاشكاليات الفلسفية المقررة في منهاج التعليم الثانوي بالجزائر ـ حسب المقاربة بالكفاءات


[في المذهب البراغماتي والمذهب الوجودي]

 

(10) المشكلة الثانية

[في المذهب البراغماتي والمذهب الوجودي]

أي المسعيين نحتاج إليه، المسعى الداعي إلى العمل النافع في الحياة أم المسعى الداعي إلى رجوع الإنسان إلى ذاته الباطنية لتحقيق ماهيته ومن ثمة، تحمله تبعات كل ما يترتب عن ذلك، من قلق؟

***

 

مقدمة: طرح المشكلة

I- المذهب البراغماتي: الأسس الفكرية والمنطقية للمذهب البراغماتي

أولا: كيف ولماذا وقع رفض الفلسفات التقليدية المجردة؟

ثانيا: ما هي القواعد التي ساعدت على تأسيس فلسفة عملية

II- المذهب الوجودي: الأسس الفكرية والمنطقية للمذهب الوجودي

أولا: هل الطبيعة التي يتصف بها وجود الأشياء تشبه طبيعة وجود الإنسان؟

ثانيا: أليس بإمكان الإنسان التمرد عن نظام الأشياء؟

ثالثا: وهل المعرفة الحقيقية تأتي من عالم الأشياء أو من العالم الداخلي للإنسان؟

رابعا: وهل يرتجى من كون الإنسان إنسانا، الحصولُ على السعادة أو الارتماءُ في يَمِّ المخاطرة وما يترتب عنها من قلق وشؤم؟

خاتمة: حل المشكلة

 

 

 

 

مقدمة: طرح المشكلة

إنه على الرغم من المفارقات التي نلمسها في المذهبين المذهب البراغماتي والمذهب الوجودي، ومن خصوصيات مصدرهما، فهل لأحدنا الحق في طرح التساؤلات التالية:

أيهما الأصلح بالنسبة إليَّ: المذهب الذي يقدم لي الوسائل والأدوات التي تساعدني على العمل والنجاح فيه أم هو الذي يهيئ لي فرصة الرجوع إلى ماهية ذاتي أتأملها؟

هل هو الذي يعود عليَّ بفائدةٍ تحل مشاكلي النظرية والعملية التي تواجهني، أم هو الذي يسوقني إلى أعماق نفسي فأعيها وأتدبرها وأعيش ما يخالجها من حالات نفسية؟

هل هو الذي يرفع عني الغموض الذي يخيِّم على مستقبلي حيث يستريح عقلي وتطمئن نفسي، أم هو الذي يمدني بحكمة البدء قبل كل شيء، بمعرفة حقيقة وجودي وبإمكانيات إثباتها من خلال ما أصنع وما أفعل؟

للرد على هذه التساؤلات، يجدر بنا الوقوف على الأسس الفكرية والمنطقية التي يرتكز عليها كل من المذهبين: البراغماتي والوجودي.

I- المذهب البراغماتي: الأسس الفكرية والمنطقية للمذهب البراغماتي

وللوقوف على هذه الأسس، نحاول الإجابة مع البراغماتيين، عن السؤال المُشكِلِ التالي:  هل يَرْضَى الإنسان في عصرٍ تَنشَط فيه الصناعةُ، الانسياقَ وراء مذاهبَ فلسفيةٍ مجردة لا تخدم مباشرة انشغالاته اليومية، ولا تحل مشاكله المعيشة؟

لقد عرفت الحياةُ الاقتصادية في أمْريكا، تطورا ملحوظا بفضل الصناعة؛ وهذا في وقتٍ اجتاحت فيه الفلسفاتُ الميتافيزيقة العالمَ مثل الفلسفة المثالية والفلسفة العقلانية وغيرِهما.

وأمام هذه الوضعية، اِختار مذهبُ البراغماتية أن يقوم على ركيزتين أساسيتين: أولا، رفضُ الفلسفات التقليدية المجرَّدة التي ليست في خدمة الحياة، وثانيا، تأسيس منهجٍ جديد أو فلسفة عملية.

أولا: كيف ولماذا وقع رفض الفلسفات التقليدية المجردة؟

1- نشوء المذهب

نشأ المذهب البراغماتي في أمْريكا مطلعَ القرن العشرين على يد ثلاثةٍ من أعلام المفكرين: تشارلز بيرس (1839-1914) ووليم جيمس (1842-1910) وجون ديوي (1859-1952). وقرَّر بحكم منشئه في هذا المحيط المتصنِّع، استنكارَ الفلسفة التقليدية البالية التي تجاوزتها الأحداثُ، والسعيَ إلى بناء منهجٍ عصريٍّ يُساير حاجات الناس المتجددة، وتقلبات رغباتهم اليومية؛ وهو منهجٌ يدعو إلى الانصراف عن الفكر للفكر نحو العمل، استجابةً لضرورات الحياة واستشرافا للمستقبل.

2- ثورته على الفلسفات المجردة

وقام من أجل أن يثور قبل كل شيء، على الأبحاث المجرَّدة والمذاهبِ المُغلَقة والحلولِ المعلقة في فضاء العلل الأولى والأسباب القَبْلية؛ فحمل على الفلسفة التجريبية التي لا تأخذ إلا بالحواس الخارجية مُنكرةً قضايا الدين والإيمان؛ وحملت على الفلسفة العقلانية أو المثالية حين كانت حلولهُا للمشاكل حلولا مُغرقة في التجريد وغيرَ مجدية، لأن المشاكل التي تطرحها هي مجرد خُرافات على حد تعبير جيمس؛ إنه باختصار، يستبشع المطلقَ والمجرد والتأمل الفارغ الذي يُبعد الإنسان عن انشغالاته الحياتية وتحقيق ما ينفعه.

ثانيا: ما هي القواعد التي ساعدت على تأسيس فلسفة عملية؟

1- تعريف المذهب

البراغماتية أو الذرائعية[1] مذهب "فلسفي" يجعل من كل منطلق أو مسلمةٍ ذريعةً لتحقيق غايات عملية تعود بالنفع على الإنسان بالمفرد أو على الناس بالجمع. ومهما كانت طبيعة هذا المنطلق الذي نأخذ به ـ حسيةً كانت أو عقلية أو ميتافيزيقية ـ فإن المهم أن نحقق بواسطته مطالبَ عملية فعلية. ولفظ "براغمَه" (Pragma) باليونانية يعني العمل والمزاولة؛ أدرجه بيرس سنة )1878( في كتابه "كيف نجعل أفكارَنا واضحة". وكل موضوع هو مجرد وسيلة لتحقيق أغراض الإنسان النظرية منها، والعملية.[2] والحياة كلها عند جون ديوي، هي توافُقٌ بين الفرد وبيئته.

2- العبرة بالنتائج

إن أول مقياس يؤسسون عليه قيمةَ أيِّ فرض من الفروض أو منطلَقٍ من المنطلقات، هو تحقيق منفعة عملية. وكل فكرة أو بحث لا تحمل في طياتها مشروعا قابلا لإنتاج آثارٍ عملية نفعية، تُعتبر خرافةً، شأنُها شأنُ الكلام الفارغ. ومن هذه الزاوية، يخالفون كلَّ من يختزلون وظيفة الفلسفة في البحث الأكاديمي المجرد؛ وإذا هُمْ قبلوا المعاني الميتافيزيقية، فبشرط أن تكون ذاتَ قابلية لبلوغ منفعة؛ ومن ذلك، فإنهم يعتبرون المعتقد الديني صادقا، طالما ترتَّبت عليه آثارٌ و نتائجُ عملية في حياتنا اليومية؛ وهذا يعني أن صدق المعتقد وصدق المعنى مرهونان بآثارهما العملية.[3] لقد كان فرديناند شيلر[4] يتسامح في قبول كلِّ مسلَّمة ـ ولو كانت ميتافيزيقية ـ متى أمكن الإفادةُ منها في الحياة الدنيا، (ومتى قصدت أيضا، إلى تحرير العقل من قيود العرف وجمود التقليد و طغيان السلطة). 

ومن ذلك أيضا، أن البراغماتيين يَقبَلون كلَّ التيارات: يقبلون التفكير المنطقي، وكذا نشاط الحواس؛ ويوافقون على الأخذ في حُسبانهم أبسط التجارب، وأخصَّها. وحتى التجارب الصوفية يقبلونها إذا ما ترتبت عنها حواصل عملية. ومن هنا، نفهم كيف استحالت الفلسفة على يدهم، إلى منهج لاختبار فاعلية الأحاسيس والأفكار في الحياة؛ وكيف انصرف التفكير معهم من المبادئ والأوليات إلى النتائج والغايات.

ويؤكد بيرس في كتابه "كيف نوضح أفكارنا لأنفسنا"؟ أن كل فكرة (أو اعتقاد) لا تنتهي إلى سلوك عملي في دنيا الواقع، تعتبر فكرة باطلة؛ وأن العبرة في ذلك، هي العمل المنتج بدلا من التخمينات الفارغة؛ وفي هذا العمل بالذات، نقرأ الصدق والحق.[5] ومقياس هذا الصدق أو الحق في رأي  شيلر، لا يقوم في مطابقته لموضوعاته، بل في مدى ما يحققه من نتائج للبشرية، و ليس ثمة حق يقوم بمعزِل عن هذه البشرية. وما يحققه من نتائج، لا يمكن إلا أن يكون ناجحا.

3- العبرة بالنتائج الناجحة

ويتمثل النجاح في التوافق بين مستقبل الوقائع ورغبات الإنسان وأمانِيه. وفي حالة الإخفاق، يظل المستقبل غامضا حيث يتعين على الفرد العيش في قلق وكآبة واضطراب عقلي. ولهذا، فإن المنهج الصحيح هو ذلك الذي يحدد الآفاق المستقبلية التي يتحقق فيها التناغمُ الفعلي بين تطلعات الأفراد وأحلامهم. إنه الوصول إلى حلول لمشكلاتٍ نظرية لا عن طريق تحليلها تحليلا جِداليًّا أو عن طريق افتراض فروض قَبْلية مستقلة عن التجربة، بل يكون حل المشكلات بمتابعة آثارها الملموسة ونتائجها الحِسِّية بحيث إن لم يكن للمشكلة نتيجةٌ من هذا القبيل أو لحلها أثرٌ نافع في الحياة، كانت المشكلة باطلة. يقول جيمس: إن آية الحق النجاح، وآية الباطل الإخفاق،[6] ويضيف أيضا: الفكرة الصادقة هي تلك التي تؤدي بنا إلى النجاح في الحياة.[7]

4- المرونة والمراجعة المستمرة

لا يوجد فرض أصدقُ من فرض آخر، ولا تخمين أحق من تخمين آخر، إذ أن الصدق الوحيد هو الواقع المتقلب نفسه. وما يبرر ذلك، أن التجربة هي في تجدد مستمر، وخلق مستديم. ولكي يكون نشاطٌ معرفيٌّ نشاطا يستحق أن نصفه بالصدق، يلزم أن يوفِّق بين معارفنا القديمة والتجارب الجديدة؛ فالصدق هو صدق بالنسبة إلى الواقع الذي ليس متحجرا ولا ثابتا على حال.

5- الصدق صدق لأنه نافع

وفي هذه النقطة، يصرح جيمس بقوله: "إني اَستخدم البراغماتية بمعنى أوسع، أعني أنها نظرية خاصة في الصدق".[8] والمعروف أن مبحث الصدق هو أحد المباحث الأساسية للمعرفة. ويؤكد بأن الصدق و المنفعة صفتان مترادفتان للفكرة: "أسمي الفكرة صادقة، حين أبدأ بتحقيقها تحقيقا تجريبيا؛ فإذا ما انتهيتُ من التحقيق وتأكدتُ من سلامة الفكرة، سميتها نافعة".[9] ويضيف قائلا: إن هذه الآثار التي تنتهي إليها الفكرة، هي الدليل على صدقها أو هي مقياس صوابها.[10] و"أن التفكير هو أولا وآخرا ودائما، من أجل العمل"، و "تصوُّرَنا لأي شيء ندركه بالحدس، ليس في الواقع إلا أداةً نحقق بها غاية ما". ولهذا، فإن الفكرة تستمد صدقها بواسطة الأحداث. إنه لمن العبث مثلا، أن يوجد تطاحن بين النظريات المضادة وأن يستغرق الباحثين الجدلُ في (أيُّهما حق وأيُّهما باطل؟)؛ فالنزاع بين الماديين والروحيين عبث ومضيعة للوقت، فهو لن ينتهي إلى نتيجة تؤثر في سلوكنا العملي، ولكنَّ النظر إلى مستقبل العالم، يرجِّح كفة المذهب الروحي، لأنه يملأ الإنسان أملا، ويثير في نفسه التفاؤل، ويمكِّنه من احتمال متاعب الحياة. وهنا، يجتمع الصدق والنفع، أو بتعبير أدق، ليس الصدق صدقا إلا لأنه نافع، وليس نافعا إلا لأنه وسيلة تستجيب للواقع المشخص للإنسان.[11]

 ويدعم ديوي هذا الموقف، بتأكيده أن الفكر ليس إلا ذريعة لخدمة الحياة؛ ويطالب بتطبيق المنهج العلمي في شتى مجالات التفكير، وهو منهج يصطحبه الباحث في الخروج من نطاق الفكر إلى نطاق العمل. وبهذا، يظل مخزونُ الفكر اقتراحا لحل مشكلة، فإن وُفِّقت إلى حله، كانت صوابا.[12] وإذا كان هذا المخزون نظريةً، فإنها تصبح أداة للبحث بدلا من إجابة عن لغز وبالتالي تنتهي من كل بحث. فهي لا تصلح لنا من أجل أن نستريح، وإنما من أجل أن نندفع إلى الأمام، لنُعيد بناء العالم من جديد، ونُنعش أفكارنا البالية.[13] وأمام هذا المخزون المتحجر، فإن البراغماتية تمنح أفكارنا مرونة غير مسبوقة وتجعلها تتحرك. فبينما نكون قد امتلكنا مجموعة من المعارف، فإذا بتجربة جديدة طارئة تخلع عليها بعض الاضطراب: فهذا شخص مثلا يناقضها، أو نحن بأنفسنا نكتشف في فترة تأمل، بأنها متناقضة، أو يبلغنا أن هناك ظواهر تتوافق معها، أو تطرأ فينا رغبات لم تعُدْ تحقِّقُها. وهنا، يتولد انزعاجٌ لم يَعْهَدْه تفكيرنا. وللخروج منه، فلا عيب في أن نغير أفكارنا السالفة.

ومن المفيد هنا، أن نُذكِّر بأن الصدق ليس في مجرد المطابقة، وإنما في إثراء العالم الموجود وإمداده بالجديد. أما الصدق في ذاته، كما تذهب إليه الفلسفات التقليدية، فلفظٌ أجوفُ لا يحمل معنًى. فهو ليس مجـرد صفة عينية تقوم في طبيعة الفكرة أو المعتقد، كما يزعم الصوريون من الفلاسفة، ولا هو حق بصرف النظر عن ظروفه، كما هو لدى العقلانيين؛ إنه وسيلة لتحقيق أغراضنا الفكرية والعملية؛ إنه كالسلعة، قيمتُها تقدَّر بثمنها الذي يُدفع فيها فعلا في السوق. ومع ذلك، فإن الإنسان ليس مصدر الحكم على الأشياء بالصدق أو الكذب. "إن كل ما يرشدنا إلى الحق ـ فيما يقول ديوي ـ فهو حق".

إن الوقائع المادية والعلاقات فيما بينها، ليست في حد ذاتها صادقة ولا كاذبة، وإنما هي أشياء موجودة فحسب. إنها خرساء، ونحن الذين نكتشف قيمتَها من خلال تجلِّياتها النفعية، فنَصِفها بالصدق أو بالكذب. ولهذا، فإن المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة هو الواقع؛ إلا أن هذا الواقع لا يرضى لنفسه السكونَ المطلق ولا الانغلاق عن طبيعة رغباتنا المتقلبة. إنه بلغة المذهب البراغماتي، واقع خاضع لنا أي أنه ليِّنٌ مَرِنٌ قابلٌ للتشكيل والتعديل. وتوضيحا لهذه العلاقة بين الصدق والأغراض النفعية، يضرب جيمس المثال الآتي: يمكنك أن تعتبر العدد 27 مكعب العدد 3 أو حاصل ضرب (3×9) أو حاصل جمع (26+1) أو باقي طرح 73 من 100 أو بطرقٍ لا نهاية لها؛ وكلها صادقة. إننا نضيف إلى العالم من صنعنا؛ وكل إضافة هي مطابِقة له وليست واحدة من هذه الإضافات بخاطئة... فإذا كان العدد 27 عددا من الدولارات، وجدتها في مكانٍ تُرِكت فيه 28 دولارا، فتكون الواقعة (28-1)؛ وإذا كان العدد 27 طولَ لَوْحَةٍ خشبية أريد أن أصنع منها رفا لسبورة طوله 26، فتكون الواقعة (26+1).[14] إن العالم موضوعات صماء ونحن الذين نصنع المحمولات مع العلم بأن الصدق ليس علاقة مطلقة، كما يريده أهل الفلسفة الرثَّة.

وباختصار، إن النَّسَق الذي تبنَّاه المذهبُ البراغماتي واضحُ المعالم؛ فهو ينطلق من الواقع ومتطلباته الآنية؛ وهذه وضعيةٌ مُشكِلة تدفع الإنسان على ضوئها، إلى اختبار عدد من الممكنات؛ فإنِ اسْتجاب أحدها للمتطلبات التي يُفرزها الواقعُ المشخَّص، كان هذا الممكن نافعا ومن ثمة، كان هو الأصدق والأحق في هذا السياق. والإنسان إن هو انطلق من فكرة ما، فليس بغرض اتخاذها كمبدأ مطلق يتحكم في حياته الفكرية أو يقيم عليه فلسفة مغلوقة، وإنما من أجل التحقُّق من مدى استجابتها مع حاجاتنا الطارئة وتوافُقها مع حياتنا المعيشة.

II- المذهب الوجودي: الأسس الفكرية والمنطقية للمذهب الوجودي

إن المنطلقات التي يأخذ بها الوجوديون في تقريب مختلف وجهاتهم الفلسفية،[15] يمكن ردُّها إلى أربعة تساؤلات:

أولا: هل الطبيعة التي يتصف بها وجود الأشياء تشبه طبيعة وجود الإنسان؟

ثانيا: أليس بإمكان الإنسان التمرد عن نظام الأشياء؟

ثالثا: وهل المعرفة الحقيقية تأتي من عالم الأشياء أو من العالم الداخلي للإنسان؟

رابعا: هل يرتجى من كون الإنسان إنسانا، الحصول على السعادة أو الارتماء في المخاطرة وما يترتب عنها من قلق وشؤم؟

وقبل تأمل إجاباتهم، نمهد لهم بعرض وضعية مشكلة من خلال حوار، وبالتعقيب عليه.

أما الوضعية المشكلة، فإننا نعرضها في شكل حوار بين أستاذ (أ) وطالب (ب):

- (أ): أليست الظواهر التي نراها الآن أمامنا، أشياء؟

- (ط): نعم؛

- (أ): إذن، هذه الظواهر التي نراها كالأشجار، والجبال، والحيوانات، وكل هذه الكائنات، هي كلها أشياء؛

- (ط): طبعا، فأنا الآن، أرى هذه الغابة، وأراك بجانب الشجرة، وأسمع زقزقة الطيور؛

- (أ): هل نفهم من كلامك يا طالب، أنك شيء من الأشياء؟

- (ط): نعم؛

- (أ): ألا تختلف عنها، من حيث إنك لست مجرد جسم؛ إنك تدرك بأنك أكثر من جسم؛

- (ط): هذا صحيح؛ و لكن، هل يعني هذا أنني لست مجرد شيء؟

- (أ): إنك متمرد بطبعك عن النظام الثابت الذي يحكم عالم الأشياء؛ لأنك كائن فاعل تصنع ما تريد؛

- (ط): فأنا إذن أقرر مصيري؛

- (أ): و في هذا التقرير، تثبت بأنك لست شيئا؛

- (ط): و إذا كنت مغايرا للأشياء، فما عساني أن أكون؟

- (أ): لمعرفة الأشياء استعملتَ العقل؛ و لكن هذا العقل لا يساعدك على معرفة ما تكون؛ لأن العقل أداة رُزقنا بها من أجل معرفة الأشياء، ولكن عندما يتعلق الأمر بمعرفة أنفسنا، فنحن نحتاج إلى وسيلة أخرى؛

- (ط): و ما هي هذه الوسيلة؟

- (أ): إذا كنت لا تستطيع أن ترى نفسك كما ترى الأشياء، و تدرك بأن لك ذاتا، تفهم بأن معرفتك لنفسك تتم مباشرة؛

- (ط): وكيف ذلك؟

- (أ): إنك ذاتٌ وهذه الذات تعي نفسها بنفسها؛ وهذا الوعي لا يجعلك تفكر في ذاتك كما تفكر في أشياء الطبيعة، لأنك لست شيئا؛

- (ط): هذا صحيح؛

- (أ): فهناك فرق بين أن تفكر في الأشياء، أي في وجودها ككائنات خارجية، وبين أن تشعر بوجودك وتعيش بلحمك و دمك، ما يجري في عالمك الداخلي؛

- (ط): أفهم من كلامك، بأن العالم الذي نعيشه ليس كالعالم الذي نراه.

- (أ): يبقى علينا الآن، أن نتساءل بحثا عن الحقيقة، هل يجب أن أرفض الاتصال بالعالم الخارجي، للاهتمام فقط، بما يجري في عالمي الداخلي آخذا بالحدس ومستبعدا كل الفلسفات التي تقدس العقل؟

وتعقيبا على هذه الوضعية المشكلة، إن هذا الحوار يبين لنا أن هناك وجودين: وجود الأشياء ووجود الأنا أو الذات؛ وأن الأول وجود يسير آليا مع نظام ثابت، والثاني وجود يسير بكل وعي ويتولى قراراتِه بنفسه؛ وأن هناك فرقا بين معرفتنا المجردة للأشياء التي تأتينا من الخارج، ووعي الذات الحي لذاتها. وفي هذا السياق، يمكن أن "نموقع" على العموم، الفلسفة الوجودية على اختلاف اتجاهاتها.

أولا: هل الطبيعة التي يتصف بها وجود الأشياء تشبه طبيعة وجود الإنسان؟

هل الأشياء التي أراها في العالم الخارجي هي من نفس الطبيعة التي أنتمي إليها، وهل أنا جزء من نظام  الأشياء؟ هل عالم الأشياء هو حقيقةً العالم الذي يناسبني؟ أليس الوجودُ وجوديْن: وجودَ الأشياء و وجودي أنا، وجودَ الظواهر الجامدة ووجودَ ذاتي المتغيرة؟

إن هذه الاستفهامات لا يطرحها الوجوديون لمجرد طرحها. إنها من الأصداء التي أفرزتها الظروفُ المزرية التي انتهى إليها مصير أوروبا و غيرِها وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. ولم تمر هذه الأوضاع اللاإنسانية دون أن تؤثر عالميا في مشاعر الناس وتفكيرهم، وتدفعَهم إلى التساؤل عن حقيقة الوجود الإنساني وطبيعة علاقته مع عالم الآخرين وعالم الأشياء.

للرد على هذه التساؤلات، يجب التصريح بأن الوجود وجودان: وجود في ذاته ووجود لذاته.[16]

1- الوجود في ذاته

وهو يمثل عالم الأشياء، وهذه الأشياءُ هي ظواهرُ خارجيةٌ قابلة للدراسة العلمية تخضع للتجربة ويفهمها العقلُ، وهي موضوعات ثابتة ولادينامية، لأنها تستجيب لنظام مُطَّرد من قوانين الكون.

2- الوجود لذاته

ليس المقصود به وجود العالم الموضوعي وما يستدعيه من البحث في الوجود بما هو وجود، والتعرف على علله البعيدة ومبادئه الأولى، ولا من البحث في الأشياء باعتبارها ظواهر علمية؛ وإنما المقصود به هو الوجود الإنساني الذي يشعر به كل واحد منا في عالمه الداخلي، و يحياه بكل جوارحه. ومن مميزاته أنه ليس وضعا نهائيا ولا ساكنا، وإنما هو تجاوزٌ مستمر لما هو عليه كل واحد منا؛ "إن الإنسان ـ فيما يقول سارتر ـ هو قبل ذاته أو بعدها، ولكنه ليس ذاتَه البتة".[17]

وعليه، فإن الوجوديين يرون بأن الوجود بهذا المعنى، هو المشكلة الأساسية الأولى في الفلسفة، ومُلْهِمُ كتاباتهم الأدبية والفكرية؛ وبأن الفلسفة ذاتَها لَتُخطئ خطأً جسيما، عندما تمنح الأولوية للفكر المجرَّد أو لشرح العالم وتعليله. وتطلُّعًا إلى الشعور بالطمأنينة والسكينة، أعرَض الإنسان عن التأمل المجرد والبحث في العالم الخارجي ليتجه نحو التفكير في ذاته وتبطُّنها. وفي هذا السياق، يقول سارتر: إن الأشجار والأحجار هي مجرد كائنات، وأن الإنسان في هذا العالم هو وحده الذي يُوجَدُ "لذاته" أي يمتلك وِجْدانا.[18]

ثانيا: أليس بإمكان الإنسان التمرُّدُ على نظام الأشياء؟

وهل أنا مشروع أو موضوع، أي هل ما سأكونه هو سابق لوجودي، أم العكس أي وجودي سابق لماهيتي؟ هل أنا أُقرِّر مصيري أم أن مصيري يتقرر قبل أن أُوجَدَ؟ أليس بإمكاني أن أتمرد عن النظام الذي تخضع له الأشياء؟

يتضمن الجواب نقطتين محوريتين:

1- التمرد على القول بأن الماهية سابقة للوجود

من المعروف أن الوجودية تُعتبر ثورةً عنيفة ضد الفلسفات التقليدية، وخاصة منها الحركة العقلية والمثالية التي بدأت في عهد ديكارت، وانتهت عند هيجل. وذلك لأن هذه الفلسفات:

أ- افتقدت الإنسان الواقعي المشخَّصَ: فإذا عرضتْ له اهتمت به كمفهوم فارغ من كل تعيين؛ وظهرت صيغُها في هذا الصدد، صيغا عقلية جوفاءَ لا تربطها بِدُنْـيَا الواقع رابطةٌ؛ وكأنها تدعو إلى صبِّ جميع الناس في قوالبَ معينةً تذوب فيها العواطفُ والاعتقادات وأساليب الحياة ومناهج التفكير؛ وهي قوالب تنحصر في معنىً مجردٍ وكلي صالح لكل الأزمان.[19] فالإنسان في الحقيقة وكما يقول كيركجورد، فرد فريد لا يمكن تكرارُه، ولا يوضَع تحت معنىً أعمَّ؛ ومن هنا، ينحصر في معنىً مجردٍ.

ب- وأضرت بفهم حقيقته التي تتمثل في حضور الشعور ودوامه؛ إن أبغض شيء إلى الفلسفة والأدب[20] البعدُ عن دائرة الوجود الحق وجود الذات، ولا يمكن أن يتساوى عندهما وجودُ الإنسان الفرد ووجود الأشياء. ولهذا، نلاحظ كيف تَنفُر الوجودية من العلم وتتهمه بأشنع الاتهامات، كالتعميم و التشييء . وتستعيض عنه بالأسلوب الأدبي؛

ج- وجعلت الأشياء الخارجية مستقلة عن الذات العارفة؛ واعتبرتها مصدر الحقيقة، كما هو واضح لدى الواقعيين والوضعيين بوجه أخص؛

د- وتنظر إلى الوجود باعتباره لاحقا للماهية، وليس سابقا لها؛ وفَاتَها أن هذه القاعدةَ تنطبق على الأشياء لا على الإنسان.[21] فبذرة البرتقال مثلا، لا تعطينا تِينًا ولا تفاحا، فهي شجرة لا حول لها ولا قوة سوى أن تستجيب لقضائها أو حتميتها، وهي أن تكون شجرة للبرتقال. أما الإنسان، كما سيتأكد لنا لاحقا، فهو وجودٌ يتولىَّ تحديدَ ماهيته بنفسه. ومن هنا، نفهم لماذا وقع تمرد الوجودية عن كثير من الفلسفات التقليدية.

2- إثبات القول بأن الوجود سابق للماهية، والتمرد على نظام الأشياء

أ- الوجود أوَّلاً

ومن هنا أيضا، نفهم لماذا انتقلت الفلسفة من دراسة الوجود المجرد، إلى دراسة الإنسان المشخص في وجوده الحسي، وفي مواقفه الواقعية التي تربطه بزمانه ومكانه وظروفه وأحواله؛ ولماذا يجب أن يبحث الفيلسوف عن المعرفة الصحيحة في أعماق نفسه؛ وبدلا من أن نُثبت كوجيتو ديكارت "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، يجب أن نقول مع سارتر على لسان المتكلم: "أنا أفكر، فأنا إذن كنت موجودا" أي الوجود أولا، والتفكير أو العمل ثانيا...  فأنا لست هذا المحمول أو ذاك؛ فلي أن أكون. وفي ما يشبه هذا السياق، يقول سارتر كذلك: "سأكون عندما لا أكون" أي سأكون، ما سأكون قد أنجزته إلى حلول الموت.

وهنا ندرك أيضا، لماذا كوني موجودا أهمُّ من كوني مفكرا أو حساسا أو ضاحكا؛ إني كائن يفعل ويتمثل فيما يفعل. فأنا أُفرغ ذاتي (وكياني) بأكملها في العمل؛ فأنا ما أفعله.

ومعنى هذا، أن وجودي يقوم في بداية الأمر، بغير ماهية؛ وأكون عند ولادتي ناقص الصورة، لأني الكائن الوحيد الذي يكمن وجوده، في حريته، على عكس الحال مع سائر الكائنات. إن حريتي في اختيار موقف دون آخر، تجعل من المستحيل التنبؤُ باختياري مقدَّمًا، ومن ثمة، أبقى الكائنَ الوحيد الذي أحدد ماهيتي.

ب- التمرد على نظام الأشياء

ولكي أحدد ماهيَّتي، وجب أنْ اَختار، ولكي اَختار وجب أن أكون موجودا؛ ولأنني متمرد عن طبيعة الأشياء، ولأنني مشروع لا موضوعٌ، فأنا لا أتوقف عن الاختيار، ولا عن تحمل المسؤولية بكل أبعادها.

والشيء الذي يقف حجْرَ عَثْرَةٍ أمام محاولات تعريفٍ ثابت للإنسان، هو مصيرُه وتحقيقه الذاتي المتغير. وهنا، يحذِّر الوجوديون من التعريف الجامع المانع له، لأن كل إنسان هو ما ينتهي إلى صناعته؛ ولهذا، فتعريفه يستمر ناقصا غيرَ مكتمِل قبل نهاية حياته؛ فالقول بأن الإنسان هو ثلاث نقاط (...) أو نقطة استفهام (ماذا ؟)، لَتَعْريفٌ يعوِّض نقصَه المحمولُ عند انتهاء الحياة. والمقصود بالمحمول الماهيةُ التي كان يسعى إلى تحقيقها إلى يوم الرحيل.

ثالثا: وهل المعرفة الحقيقية تأتي من عالم الأشياء أو من العالم الداخلي للإنسان؟

وهل الأداة التي أُدرك بها الأشياء، هي نفسُها التي أعرف بها ذاتي؟ أين المعرفة الصحيحة: فهل هي التي تنبُع من أعماقي أم هي التي تجيئُني من عالَم الأشياء؟ هل هي التي تجعلني أحيا الوجودَ أم هي التي تجعلني أسعى إلى مجرد التفكير في الوجود؟

أيهما الحقيقة، التفكير في وجود العالم الخارجي أو استبطان ذاتي لذاتها والعيش معها؟ 

1- الشعور أو الحدس هو الوسيلة التي تُناسِبُني

وإذا كان العقل لا يستطيع أن يتقدم في هذا السبيل لِـيُنبِّئَنا عن شيء، أو ليقرِّرَ أمرا، فلا مناصَّ من استعمال الشعور؛ فهو وحده الذي يعتمد على تبليغنا أشياءً، كثيرا ما نفتقدها بين المجالات الوجدانية. فهو قادر على الاستمرار، حيثما تنقطع سلسلة الاستدلالات العقلية والمقارنة الفلسفية الخالصة.

وإذا كان العقلانيون يقدسون العقل، ويضعونه فوق كل اعتبار، فإن الوجوديين يضعون الوجود وما يستدعيه من شعور باطني وانفعالي، فوق كل حقيقة. يقول كيركجورد: "إن النتائج التي تنتهي إليها المحنة (Passion) هي وحدها الخليقة بالإيمان، هي وحدها المقنعة"؛[22] فلا حقيقة عند الفرد إلا ما يحياه وينفعل له. و لهذا كانت كل حقيقةٍ، انفعاليةً عنده.

ولقد جعل سارتر من الشعور الباطني نقطة البدء الأولى لكل فن، ولكل أدب، ولكل فلسفة، حتى أن التفلسف صار ينبع عنده، من داخل الشعور ومن صميم الوجدان.

2- الشعور هو دائما، يتجه إلى العالم الخارجي، ولا يرضى لذاته، أن تكون منطوية على نفسها

إن الأنا المدرِك عند هُسَّرل[23] يستلزم بالضرورة، قصدا مُعيَّنا أي اتجاها نحو موضوع مدرَك لأن الوجدان عنده دائما وجدانُ شيء.

 وفي هذه النقطة، يؤكد سارتر بأن العالم يكون قبل تدخل الوجدان الذي يعرفه، خليطا لامعقولا. وهذا الشعور باللامعقولية هو الذي يجلب "الغثيان".[24] يقول: إن علاقتي بالعالم هي التي صيَّرَتْه بالنسبة إليَّ ذا دلالة، إذ أنه صار قابلا للمعقولية، وهو يتكون من ظواهرَ هي التي تؤلف الموجودات الحقيقيةَ. ومعنى هذا، أن العالم "الفيذاته" لا يسير إلى الوجود، إلا بواسطة الإدراك الذي لدينا عنه. وإذنـ فالعالَمُ يتنوَّعُ بتنوع الأفراد والشعوب والعصور، بل إن السيكولوجيا التقليدية قد سجلت أن الرسَّام وعالِمَ طبقات الأرض والمهندسَ والراعي يرون في المشهد الطبيعي الواحد أشياءً مختلفة، ولكنَّ الفلاسفة لم يعرفوا كيف يستخلصون النتيجة المرادةَ من هذا. ولسنا نحن الذين نتعلق به، وإنما هو الذي يتعلق بنا مطلقا، وهو بدوننا ليس شيئا.[25]

وعليه، فالإنسان هو الذي يخلق العالَمَ الحقيقيَّ الموجود بالنسبة إلينا؛ وليس هذا فحسب، بل إن هذا العالَمَ المخلوق يتنوع تبعا للغايات التي يهدف إليها الإنسان.

3- الغرض من هذا

لقد جعل كيركجورد الوجود الذاتي في علاقته مع العالم، أصلا لكل بحث ولكل فلسفة مقابل تصور هيجل الذي كان ينظر إلى الفصل بين العقل والوجود، بين الإنسان والعالم على أنه شيء طبيعي ومعقول جدا. قال في يومياته سنة (1835): كان شغلي الشاغل أن "أجد حقيقةً، ولكنْ بالنسبة إلى نفسي أنا؛ وأن أجد الفكرة التي من أجلها أريدُ أن أحيا وأموتَ". وهذا الشغل يفترض الاختيارَ والتغير والانفراد والذاتية وهو الهمُّ المُتَّصل.

رابعا: هل يُرتجى من كون الإنسان إنسانا أي من كونه مشروعا ووجودا متراميا، الحصولُ على السعادة أو على العكس من ذلك، الارتماءُ في يَمِّ المخاطرة، وما يترتب عنها من قلق وشؤم؟

1- الحرية

إن الإنسان حر مختار، وفي اختياره يقرر نقصانه، لأنه لا يملك تحقيقَ الممكنات كلِّها. فهو يسعى بين الإمكان (وهو الوجود الماهوي) وبين الواقع (وهو الوجود في العالم)؛ وذاتُه تعلو على نفسها بأن تنتقل من الممكن إلى الواقع، فتحقق ما تقرَّر تحقيقُه؛ وفي هذا التحقيق تَخاطرٌ، لأنها معرَّضةٌ للنجاح والإخفاق. ومن الشعور بالمخاطرة (Le risque) ينتابه القلق؛ لأنه على وعي بأن تشكيل ماهيته بين يديه؛ وفي تشكيلها، يتحمل المسؤولية ليس فقط، عن اختياره كوجود، وإنما عن مصائر جميع الناس؛ ويتم ذلك على الرغم من أن اختياره لا يُقترن برؤية، ولا يكون مسبوقا بتدبير عقليٍّ أو تحديدٍ لغاية أو معرفةٍ لبواعث. مما يفضي به لا محالة إلى الضيق والقلق والحيرة.[26]

وإذا كان الواحد منا مضطرا إلى الاختيار، فذلك لأنه لا بد من أن يفعل، إذ الفعل هو الوجود وبغيره لا يوجد الفرد. ولكي يفعل، ليس في وُسعه أن يفعل كل الممكنات، بل لا بد له من أن يختار أحدَ أوْجُه الممكنات العديدة. لكن الاختيار معناه نبذُ إمكاناتٍ أخرى موضوعة أمامه، وهذا الإقرار مخاطرة. ومن هنا، قال كيركجورد: إن الاختيار يجر إلى الخطيئة وإلى المخاطرة؛ والمخاطرة بطبعها، تؤدي إلى القلق واليأس.[27]

والحرية اختيار مطلق؛ والاختيار ينطوي على النبذ، مما يسمح للعدم بوُلوج الوجود. ولهذا، كان في الوجود هُوَةٌ وثغرة لا يمكن ملؤها أبدا. ولا سبيل إلى الخلاص من اليأس.

ليس منشأ القلق عند سارتر، الأحاسيسَ والعواطف على نحو ما هو عند غيره من الوجوديين، وذلك طبيعيٌّ، لأن الفكر عنده، يبدو أنه يخنق العواطف أو يكتم أنفاسها. وإنما منشؤه هو مجموعة نتائج اختيارنا للقواعد التي يسير عليها في سلوكه، دون أن يستطيع الحكمَ على قيمتها التي هي ذاتُها، تنشأ من هذا الاختيار نفسه؛ وأصل هذا القلق هو شعور الفرد في أثناء فعله الحر، بالخطيئة الناشئة بالضرورة عن الاختيار، لأن الاختيار نبذٌ للممكنات.[28]

2- الموت

أما اللحظات العليا للوجود، فهي تلك التي يكون فيها الوجود مهددا في كيانه الأصيل، إنها وجود الموت؛ لأنه إذا كان لا بد من الموت، فماذا يبقى للحياة من معنى؟ وهذا التساؤل له وقعٌ شديدُ الألم لدى الوجوديين الملحدين، بوجه أخص.

أما الوجوديون المسيحيون،[29] فإن الإنسان عندهم، معلق في كل لحظة بالأمر الإلهي الذي يحتفظ به في الوجود. إلا أنه يعيش هو الآخر، القلق الذي يزيد زيادة مطردة بسبب شعوره الحاد بالسير المتواصل نحو الموت.

3- تناقض الوجود

وإذا كانت الأشياء متناهية، فلماذا أعيش بين المتناهي واللامتناهي، بين الزمني والسرمدي؟ أليس هناك ما يدعو إلى القلق المستمر؟

وفي هذه النقطة، يرى سارتر بأن الوجود في ذاته، مَلْءٌ ثابت ليس فيه من الدينامية شيء؛ فهو يستحيل أن يكون مجلوبا من غيره أو من موجود ممكن؛ لأنه يتعلق بوجود الأشياء والموضوعات، كالشجرة والجبل وهو المعنِي بالواقع؛ أما الوجود لذاته، فيتصف بالتغير وعدم التماسك؛ فهو يحمل عنصر الإعدام،[30] ويمكن أن يُهدم نفسه ليجعل من نفسه شيئا آخر.[31]

والوجود في ذاته متناه؛ وسِرُّ التناهي فيه، هو دخولُ الزمان في تركيبه. أما الوجود لذاته، فهو وجود يَدخل في مقوماته العدمُ، والعدم يكشف عن نفسه في حال القلق. وهذا الوجود تناقض، لأنه نقطة التلاقي بين المتناهي واللامتناهي بين الزمني والسرمدي. فهو في فرديته المتناهية مغمورٌ في الزمان، يعود إلى نفسه ويدور حولها مؤكِّدا لنفسه في عينيتها وفردانيتها. ولكن الوجود بوصفه حضورا في اللامتناهي وفي السرمدية، إنما يعود إلى الله، إلى المطلق.[32] و في هذا، تقاطع بين الفردية المنطوية على نفسها، والحضرة المشارِكة في الرابطة مع الله.

هكذا إذن، نخلص إلى أن وجود الأشياء لا يعرف [لايعيش] وجود الزمن أوَّلا، ولا يدرك معنى الحرية ثانيا؛ أما الإنسان فهو وحده الذي يستطيع أن يُحِسَّ بالحرية ويشعر بمدلولها وامتداداتها. وهو الكائن الوحيد الذي يحس بالوجود الحقيقي.

4- تعدد الوجدانات مصدر للنزاعات

هذا، وإن الآخرين بالنسبة إليَّ كما يعبر عن ذلك سارتر، ليسوا سوى موضوعاتٍ كالموضوعات الأخرى، وإذن فهُم يتعلقون بي أنا الذي هُم مَدينون لي بوجودهم في العالم. ولكني أعرف أنهم ذوو وجدانات مِثلي، وأنهم يتمثلون العالم في وجداناتهم حَسْبَ وجهات نظرهم؛ بل أنا نفسي متضمَّن في هذا التمثل بالنسبة إليهم كوسيلة أو كأداة. وبسبب هذا التعدد للوجدانات، قد حدثت تلك المنازعات.

ففي الواقع، أنه عندما يقتحم أحدُ الآخَرين تمثُّلي للعالم، أشعر بأن العالم يَفِرُّ مني، وأن عناصره تنتظم حول القادِم الجديد؛ وحينئذ، أشعر أن جميع الأشياء التي كانت لي، تُدير وجهَها نحو هذا الآخر، وتَفِرُّ مني إليه؛ ولا يكتفي هذا الآخرُ بأن يسرق العالَمَ مني، بل هو يريد أن يَستخدِمَني أنا نفسي. إنه يحاكمُني وتكُون له عني فكرةٌ حسب جسمي، أي حسب ما مضى دون أن يكترث بمشروعاتي، أي بما أريد أن أكُونَه في المستقبل؛ وذلك الذي أريد أن أكونه هو وجودي الحقيقيُّ. وإذا لم أدافع عن نفسي، فإنَّ ما يريد أن أكونه، سأكونُه؛ وإذ ذَّاك أجد نفسي شيئا بين أشياءِ عالَمِه هو. ومن هذا، ينشأ العارُ وينشأ شعوري بأني كائنٌ، قد سُلبَتْ منه مميزاتُه وصار تابعا.

وهنا، فجوهر العلاقة بين الوجدانات، ليس هو الرابط بينها، كما يرى بعض الوجوديين، وإنما هو التنازع بينها، وأنا الذي أحقق ذلك عمليا بواسطة التضايق الذي أشعر به حين أكون مع الغير، إذ أكون دائما، في خطر. فكل واحد منا في الواقع، يريد أن يُوجَدَ أي يريد أن يُنفِّذ مشروعه بتحقيق كل إمكانياته؛ وهو من أجل ذلك، يَجْحَدُ جميعَ مشروعات الآخرين.[33]

وأخيرا، إن انحباس كلِّ واحد منا في وجوده الخاص، يَحُول دون فهمنا للغير، كما يحول دون فهم الغير إيَّانا. ومن هذا، يتأتى جميع سوء التفاهم والأحكام الظالمة الأبدية التي يتبادلها الجميع بلا انقطاع.

وحاصل الأمر والجدير بالملاحظة، أن الشعور بالقلق الذي هو عامٌّ بين هؤلاء جميعا، يذهب في الشعبة الملحدة إلى ما هو أبعد من معنى الحياة المأساوية، فيقودُها إلى اليأس؛ بينما أن اليأس ـ بالنسبة إلى الوجوديين المسيحيين ـ ليس سوى فتنةٍ عابرة، وأن الأمل عندهم، هو الذي يصنع أساس الحياة، وهو فيها بمثابة الشرط الأساسي. ومن هؤلاء، غ.مارسيل الذي كان ككل الوجوديين، يشعر بعاطفة القلق، وعلى الأخص القلق الناشئ عن فكرة الموت، وضيق الحياة وقصر الزمن المتروك للاختيار أمام عُظْم الأبدية.[34]

وباختصار، إن مغايرة الإنسان للأشياء تجعله كائنا يتمرد عن نواميس هذه الأشياء، لأن وجوده البشري سابق لماهيته، ولأنه الموجودُ الوحيد الذي يعيش وجودَه من أعماقه وبكل كيانه، ولأنه أخيرا، وبوعيه هذا، وعلى الرغم من حرية اختيار أفعاله، يشعر بضعفه أمام فهم الآخرين، وبقصوره عن تحقيق كل رغباته الممكنة، وبعجزه عن تجنب المخاطرة ورفض الموت. إن الإنسان من حيث أراد أن يتجه إلى معرفة ذاته باعتبارها حقيقة الحقائق، فلت منه فهم العالم الخارجي، ووجد نفسه أمام عقبات نفسية ومعرفية أنهكت كاهله وضيقت عنه سبل السعادة والسكينة.

خاتمة: حل المشكلة

إن النسقية التي يقوم عليها كلٌّ من المذهب البراغماتي والمذهب الوجودي، تخلع على كليهما صدق منطقه الداخلي، وتحصن تماسكه من اضطرابات التدخل النقدي التعسفي، وتحفظ مقاصد محتوياته من تشوه القراءات الخارجية. ومع ذلك، فإن من يأخذ بهذا وذاك لا يرتكب بالضرورة ما نسميه "بجريمة منطقية"، إن هو أدرك خصوصيات كلِّ واحد منهما وعرف كيف يستثمرهما.

فقد نأخذ بهما متفرقيْن كنسقين وُضعا خدمةً لمقاصد معينة: إن استئناسي بالفلسفة العملية بغرض استثمارها في حياتي اليومية، لا يمنعني في وقت آخر ولفترةٍ، الاستئناسَ بفلسفةٍ تُرجعني إلى باطني وتسوقني إلى أعماقه لأعيش ما يخالجه من حالات نفسية، وأختبر مدى تمكني من إثبات ذاتي وحريتي. وهذا يجعلني من جهة، أُقبل على الحياة مع الغير، وأنخرط فيما يشغلنا فيها معا، وأنسحب من جهة أخرى، من العالم الخارجي، أتفقد ذاتي وأتأمل ما يملؤها من قلق وانزعاج. ليس الإنسان إما هذا أو ذاك. فقد يأخذهما معا من أجل مثلا، التوفيق بينهما مع الحفاظ على رسوم كل واحد منهما كما يصنع مفكرو الإسلام مثلا، بشأن الوحي والعقل، وخاصة منهم ابن رشد، أو من أجل التركيب بينهما، كما يصنع أهل المنطق الجدلي، حيث يتم تجاوز الثنائية المطروحة نحو توجُّه جديد. إذن، فقد يأخذ بهذا تارة، وبذاك تارة أخرى، وبالتناوب. وليس ممنوعا أنه إذا أخذ بهذا الآن، لم يأخذ بعده، بذاك. فإذا كانت أمامي فواكه مختلفة في أشكالها وأنواعها، وخُيِّرتُ في طريقة تناولها، فإن الاحتمالات في تحقيق ذلك، تكون تابعة لذوقي الخاص وللظروف المحيطة بي: أولها أنني أتناول كل فاكهة حسب نوعها للتلذذ بمذاق كل واحدة على حدة؛ وثانيها أنني أتناول بعضها عصيرا، وبعضها فاكهة؛ وثالثها أن أتناولها خليطا طبيعيا منها (سلاطة) أو مربى مخلوطا أو خاصا بكل فاكهة.

وفي هذا السياق، يمكن القول بأن الفكر العقلاني، لا يختلف عن الفكر التجريبي ولا عن الفكر البراغماتي أو الوجودي من حيث إن لكل فكر في هذه المجالات قاعدتَه وبناءه. فقد يسلِّم الفكر بصحة منطلق ويسعى إلى تأييده بالحجة والبرهان، وقد يسلم بفرضية، وعندئذ، يسعى إلى البرهنة على صدقها أو خطئها. فالسر في هذا البناء أو ذاك، ليس في هذه المسلمة أو تلك، وإنما في النسق الذي يصل المنطلق بالمنتهى في حلقات متسلسلة ومنطقية.

هكذا إذن، يمكن استثمار المذاهب الفلسفية استثمارا فكريا وعمليا ـ بعد إدراك نسقيتها ومقاصدها ـ حسب إرادتنا، دون المس بشخصية كل واحدة منها.  

***

وكمخرج من هذه الإشكالية، إن الاختلاف بين المذاهب ـ مهما كانت أشكاله ـ لا يعنى عدم اتفاقها وعدم تقرب بعضها إلى بعض. فهو لم يعد في مفهومه، حاجزا يمنع تقدير التوجهات التي اختارها أصحابها، وتثمين جهودهم، ما داموا يصنعون مواقف متماسكة يحمكها منطق، ولها ما يبررها. وعلى هذا الأساس، يكون من الشرعي التساؤل عما هو الفرق من الناحية الشكلية، بين القول بأن مصدر المعرفة عقلي أو تجريبي مثلا، طالما يحافظ الخطاب الفلسفي على أسس معقولة واضحة وآليات منطقية معلنة . وما هو العيب من هذه الناحية أيضا، في الدفاع عن موقف يرجع المعرفة إلى مصدر مزدوج يجمع بين العقل والتجربة ما دام الموقف هذا قائما على منطق مفهوم حتى وإن خالف في أصله المنطق المألوف أو التقليدي؟ ويمكن سحب هذه الملاحظة على كل المذاهب الفلسفية.

إذا نحن انطلقنا مع العقليين، من أن ما يميز الإنسان هو العقل لا الحواس، أدركنا جيدا التقابل الذي يترتب عن ذلك وهو أن العقل يقابل الحواس، وأن ما يتصف به الأول من ثبات في أحكامه يختلف عنه في الحواس من حيث إنها لا تثبت على حال؛ وأن ما لا يثبت على حال متغير ولا يدعو إلى الاطمئنان؛ كما يترتب على ذلك، أن ما تأكد ثباته يبقى صالحا مدى الدهر ليكون حجر الأساس الذي إذا أقيم عليه بناء، لا يتسرب إليه شق ولا يؤذن بانهيار. وسيان أن يكون البناء من حجر أو رخام أو صلب زجاج. وإذا انطلقنا مع التجريبيين في اتجاه معاكس، من أن العقل عبارة عن صفحة بيضاء، لا وجود فيها لمبدأ ولا لقوالب فكرية مسبقة، عرفنا، عجزه في إمدادنا بالمعرفة في غياب التجربة. واستنتجنا كيف أنه عن طريق الحواس وما تتركه فيه من انطباعات، يأخذ العقل في التكوُّن ومن ثمة، يصبح الإنسان عارفا وعاقلا.

وإذا جئنا إلى المذهبين البراغماتي والوجودي، أدرنا الظاهرة ذاتها مع اختلاف في المضمون والموقف: إذا كان المنطلق الذي يأخذ به البراغماتي لا يشكل لديه مشروعا قابلا لإنتاج آثارٍ عملية نفعية، بات عبارة عن خرافة، شأنه شأن الكلام الفارغ. وعلى هذا الأساس، وجب الثورة على كل الفلسفات المجرَّدة والمُغلَقة والحلولِ المعلقة في فضاء العلل الأولى والأسباب القَبْلية مهما كانت أسماء هذه الفلسفات عقلانية كانت أو تجريبية أو غير ذلك؛ ووجب في مقابل ذلك، احترام كل مذهب ـ مهما كان لونه ـ يدعو إلى الانصراف من المبادئ والأوليات إلى النتائج والغايات، لأن العبرة بالنتائج والصدق صدق لأنه نافع.

وإذا انطلقنا مع الوجوديين من أن الوجود الحقيقي ليس هو وجود الأشياء الهامدة التي تستجيب لنظام مُطَّرد من قوانين الكون والتي أوهمت الفضول البشري بأنها هي الحقيقة التي يفهمها عن طريق العلم أو عن طريق البحث عن العلل الأولى، وإنما هو الوجود الإنساني الذي نشعر به من دواخلنا ونحياه بكل جوارحنا، وهو وجود يتمرد عن نظام الكون لأنه تجاوزٌ مستمر لما هو عليه كل واحد منا، أدركنا ما يترتب عن ذلك من حقائق، وهي أنه لا يمكن أن يتساوى في هذا السياق وجودُ الإنسان الفرد ووجود الأشياء لأن الشعور أو الحدس هو الوسيلة التي تُناسِبُ الوجود الإنساني. ولا يرضى لذاته، أن تكون منطوية على نفسها لأنه دائما، يتجه إلى العالم الخارجي. وكل محاولة فكرية تجعل الأشياء الخارجية مستقلة عن الذات العارفة، وتعتبرها مصدر الحقيقة، وتنظر إلى الوجود باعتباره لاحقا للماهية، محاولة تخطئ السبيل نحو بلوغ حقيقة الإنسان من حيث إنه وجودٌ يتولىَّ تحديدَ ماهيته بنفسه، وجود لا معنى له في غياب الحرية. ولكن ألا يخشى أن تصلب النسقية قد يحوِّل المذهب إلى تزمت يحمل أنصاره إلى اعتبار المذاهب الأخرى مارقة وعدوانية؟

 



[1] - أو البراغماتزم  (Le pragmatisme).

[2] - وليم جيمس، البراغماتية، الترجمة العربية، محمد علي العريان، دار النهضة العربية، القاهرة، 1965، ص: (64-65) استأنس أيضا، بـ توفيق الطويل، أسس الفلسفة، ط. 5، ص: 65.

[3] - وليم جيمس، البراغماتية، ن.م.، ص: (239-241)

[4] - (Ferdinand Schiller 1864-1937)

[5] - عن توفيق الطويل، ن.م.، ص: 65.

[6] - وليم جيمس، ن.م.، ص: 237.

[7] - وليم جيمس، ن.م.، ص: (352-353).

[8] - راجع وليم جيمس، ن.م.، مفهوم البراغماتية للحقيقة.

[9] - وليم جيمس، ن.م.، ص: (352-353).

[10] - إن الأطروحات الجامعية تفقد معناها إن لم تتحول إلى عمل نافع؛ وهذا معروف منذ العشرات من السنين في الجامعات الغرْبية وخاصة منها الأمريكية حيث لا قيمة لبحث إن لم يتحول إلى تطبيق أو لا يرتجى منه خير.

[11] - وليم جيمس، ن.م.، ص: (240-241).

[12] - عن توفيق الطويل، ن.م.، ص: (66-67)

[13] - (Recycler ses idées pour s’aligner sur de nouvelles données)

[14] - وليم جيمس، ن.م.، ص: 294.

[15] - وهم فرقتان: المسيحية والملحدة؛ الأولى تشد نفسها إلى عقيدة، هي تقول بالمشاركة والمحبة؛ وتضم سورين كيركجورد الدانماركي (ت.1855) وغابرييل مارسيل (ت.1973) ولويس لافيل وياسبيرس (ت.1960)؛ والثانية ترى بأن الوجود مأساة جاثمة لا معنى لها، والغير هو مصدر عذاب الذات، وأنه ليس ثمة ذات مفردة معطاة وحدها بل كل ذات تفترض بطبعها، الغير الذي تساكنه ونوجد معه؛ وهذا الغير يستولي على وجود الذات بما يفرضه عليها من أحوال وأوضاع؛ وينضوي تحتها هيدجورد (ت.1976) وسارتر (ت.1980) وألبير كامو (ت. 1960) وسيمون دي بوفوار (1908-1986) وجورج باطاي(ت. 1962). وكلتاهما تعترف بكيركجور بوصفه الأب الروحي للوجودية بكل توجهاتها. انظر للتفصيل، محمد غلاب، الوجودية المؤمنة والوجودية الملحدة، ص: (10-13).

[16] - وقد سبق إلى هذا التمييز كيركجورد بقوله: الوجود وجودان وجود ذات ووجود موضوع وصاغه سارتر على أسلوبه: الوجود في ذاته والوجود لذاته.  (L’Être en-soi et l’Être pour-soi)

[17] - 38 J.P.Sartre, L’être et le néant, p.

[18] - وتعليقا على هذا المفهوم للوجود، يقول لافيل: " إن كلمة الموجود لها معنى واحد في إطلاقها على الإله والممكنات، وعلى الجوهر والعرض". محمد غلاب، ن.م.، ص: 36.

     والوجود من حيث هو وجود، يتناول في الفلسفة الإسلامية، الوجود المطلق والوجود المقيد؛ ولكن جميع الموجودات المقيدة تنهل وجودها من المطلق، وأن الوجود الحقيقي في المقيد، هو المقتبس من المطلق. وهذا معروف أيضا، في الفلسفات الكلاسيكية.

[19] - لقد فهم هيجل العالم عن طريق العقل إلى أقصى درجة ممكنة، فسحق كل الخصوصيات الوجودية التي ينفرد بها الوعي.

[20] - لأن الفلسفة الوجودية خارج أدبياتها، لا تستطيع أن تكون وفية لرسالتها.

[21] - يمكن أن نفهم الماهية عن طريق هذه المقارنة: إن علاقة الماهية بالوجود في عالم الإنسان كعلاقة الموضوع بالمحمول؛ ومعنى هذا أن الإنسان هو أوَّلا، موضوع؛ ولكن محموله في طريق التشكيل؛ فلا يمكن القول عن نفسي بأنني تلميذ أو شاب، لأن التتلمذ ليس نهاية، والشباب لا يدوم؛ فعند الموت تتم الماهية؛ وعندئذ، يجوز أن يقال عني أنني أستاذ أو إنسان مخلص لوطنه ولكل أصدقائه. لكنْ في عالم الأشياء، فإن المحمول يسبق الموضوع، أي حقيقةُ البرتقال تسبق شجرة البرتقال. ولهذا، فيمكن تعريف الماهية بأنها الخصائص الجوهرية التي لا تميز فقط، كل إنسان بقدر ما تميز هذا الشخص عن غيره، ما دام هو نفسه الذي يتولى بناء مصيره، وهو حر في ذلك. إن الوجود يسبق الماهية. فماهية الكائن هي ما يحققه فعلا، عن طريق وجوده، ولهذا، فهو يوجد أولا، ثم تتحدد ماهيته ابتداء من وجوده أو مع وجوده.

[22] - (الخوف والقشعريرة):Crainte et tremblement, p. 165

[23] - وهو صاحب الفلسفة الظواهرية الذي يرجع إليه الفضل في وضع الأرضية التي أقامت عليها الوجودية حركتها.

[24] - ولقد سمى إحدى رواياته بـ"الغثيان" (1938؛ La Nausée).

[25] - محمد غلاب، ن.م. ص: 56.

[26] - فكما كان يقال بأن "أنف كليوبترة غيَّر العالم، فكذلك يقال بأن اكتشاف القنبلة الذرية أو اكتشاف النفط في الجزائر، غير العالم.

[27] - عن عبد الرحمن بدوي، دراسات في الفلسفة الوجودية، راجع فصلي المقال، كيركجورد، ص: (30-49).

[28] - استأنس بشرح قوله تعالى في سورة الأحزاب، الآية، 72: " إنَّا عَرَضْنا الأمانةَ على السموات والأرض والجبال، فأبَيْنَ أن يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَا منها، وحَمَلها الإنسانُ إنه كان ظلوما جَهولا".

[29] - وكذا لدى المسلمين المعاصرين أمثال عبد الرحمن بدوي.

[30] - ما دام الإنسان يختار، فإنه بالضرورة يحمل أسباب عدمه؛ فقد لا يتمكن من تحقيق كل مشاريعه؛ وقد يخطئ الصواب. ويتجلى ذلك، في إخفاقاته و انزلاقاته.

[31] - عبد الرحمن بدوي، ن.م. ص، 169 وما بعدها.

[32] - وهو تعبير يستعمله المؤمنون من الوجوديين.

[33]- J.P.Sartre, L’être et le néant, p.313 ; 434.

[34] - يقول غ. مارسيل عن نفسه: "لست بعيدا عن الإيمان بأن الأمل بالنسبة إلى النفس هو بمثابة التنفس للكائنات الحية؛ وعندما ينعدم الأمل تجف النفس وتنهك". عن محمد غلاب، ن.م.، ص: 36.

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home